ريام دمشق
09-01-2005, 02:11 AM
نقلاً عن بيان الثقافة
******
كانت صداقة الرسامين الشهيرين بول غوغان وفان غوخ صداقة معذّبة كحياتيهما المعذبة. عاشا معاً في آرلي بجنوب فرنسا وصارا يقتربان إبداعياً لينجزا فناً اعتبر، فيما بعد، عظيماً. لكن اللقاء، للأسف، لم يكن سارّاً البتة.
ولد بول غوغان في باريس عام 1848 من أب فرنسي وأم من البيرو. وهرب من المدرسة وهو في السابعة عشر من عمره. وجاب البحار كملاّح لمدة ست سنوات، وجعلت الحياة الخشنة من الصبي الضعيف شخصاً قوياً، ومنحته، قبل كل شيء، الحلم الذي قدّر له أن يغيّر حياته. يقول كريم الشيخ اسماعيل آل كاشف الغطاء في كتابه «عباقرة الفن»: كان غوغان يجلس على ظهر السفينة ذات يوم عندما سمع بحّاراً من زملائه يصف الحياة في البحار الجنوبية ويقول ان النساء هناك جميلات مطيعات، والفاكهة تتساقط من الأشجار، والشمس تسطع أشعتها كل يوم، والليالي تفيض بالسحر، وسجل غوغان في ذهنه ملاحظة لم ينسها مطلقاً. وعندما عاد بول الى باريس وهو في الثالثة والعشرين من عمره، اكتشف في نفسه موهبة غريبة لفنان مفطور على الابداع، موهبة الربح من العمل في سوق الأوراق المالية.. ولكي يتوّج حياته كأحد أفراد الطبقة الوسطى المتمسكة بالتقاليد تزوج من ابنة موظف حكومي دنماركي. كانت «ميت كول» شقراء، باردة، عملية، ترتدي الملابس المناسبة وتعد الشاي المناسب للأشخاص المناسبين، وأنجبت لزوجها خمسة أطفال، ولكن بول غوغان كان قد اكتشف يومئذ حبه للرسم. وسرّت الزوجة في البداية، اذ وجد معيلها الطيّب هواية تثير البهجة فليس هناك ضرر في أن يكون «رساماً يوم الأحد». ولكنها لم تدرك الا فيما بعد ان زوجها رجل لا يرضى بأنصاف الأشياء. وعرضت احدى لوحاته، وكانت تسمى «دراسة لفتاة عارية» و«كان نموذجه فيها هو خادمة الأسرة». فوصفها أحد النقاد بأنها أروع لوحة لفتاة عارية منذ «رامبرانت». وبدأت حياة بول غوغان في ميدان الأعمال تبطيء شيئاً فشيئاً حتى توقفت. وترك مكتب السمسرة وهو في الخامسة والثلاثين من عمره ومنذ ذلك الحين كرّس نفسه للرسم. وفي خلال عام واحد أصبح مفلساً تماماً، فبيع منزل الأسرة بأثاثه الجميل وسجاجيده الفاخرة، وعادت زوجته «ميت» الى الدنمارك حيث تجد الأسرة على الأقل ما يكفي لطعامها. وتبعها غوغان وسخر الدنماركيون منه باعتباره رجلاً يعيش عالة على زوجته، كما سخروا من لوحاته، وعاد الى باريس بدون «ميت».
اما فان غوخ فقد ولد عام 1853 في عائلة هولندية اختصت في تجارة اللوحات الفنية. لكن روحه المرهفة وقلبه الحساس قاداه دوماً من محنة الى أخرى، ومن بلوى الى بلوى. كانت محنته الاولى حين احب «اور زولا» الفتاة التي رفضت حبه، فقرر، كرد فعل لما حدث، ان يطلّق الدنيا وينتظم في سلك رجال الدين. هكذا اصبح واعظاً يلقي المواعظ على عمال المناجم مناصراً لهم في عملهم الشاق. لكنه فصل من عمله فهام على وجهه، ثم قرر ان يترك المدينة ويتجه الى الريف.
وطاب له العيش في الريف بين التأمل في طبيعته الساحرة وتسجيل مختلف المشاهد والمشاعر، كما يقول مؤلف كتاب «عباقرة الفن» ويضيف: بقي فان غوخ شهوراً يقتات طوال يومه بلقيمات يتصيّدها هنا وهناك، غير مبال بما بدأ يظهر على هيئته من بوادر السقم والهزال. ثم أصبح يوماً فاذا هو لا يستطيع النهوض لشدة ما اعتراه من ضعف وخمول. ولاح له ان قد حانت منيته. ولكن نبأ مرضه وصل الى «ثيو» اخيه الذي سارع الى اسعافه واستطاع ان ينقذه من المرض والفاقة معاً. اذ اتفق معه على أن يصوّر لحساب متجره بعض اللوحات. وهكذا قدّر للفنان ان يستقر لاول مرة في حياته. فاتخذ لنفسه مرسماً متواضعاً في المدينة، وكان في حاجة الى نموذج «موديل» فوجد ضالته في «كرستينا» غاسلة الملابس ذات الاطفال الخمسة، وقدّرت له ان وقاها من التشرد وأطعمها فأخلصت له الود واستمرت تؤنس وحشته، وتعدّ طعامه وتغسل ملابسه وتنظّم مرسمه وتجلس الساعات الطوال أمامه ليتخذها نموذجاً لرسومه، كل هذا لقاء قروش معدودة عن كل يوم تزوره فيه!.. ولكن الأقدار ضنّت على الفنان حتى بهذا النصيب الضئيل من الاستقرار، فسرعان ما تركته «كرستينا» الى غير عودة حين علمت بأن عمّه وأخاه هدداه بقطع صلتهما به لما بلغهما من اعتزامه الزواج منها.. ومضى الفنان وحده الى «فيرون دي كوليرانس»، حيث التقى مرة أخرى بالفتاة «راشيل» ذات العينين الزرقاوين الواسعتين. وكان قد خطب ودها حين لقيها لأول مرة في «ارليس» فسخرت منه حين ادركت انه لا يملك شيئا وقالت له: «على كل حال تستطيع ان تبعث اليّ احدى اذنيك الكبيرتين لاحتفظ بها تذكاراً منك». وشدّما كان ذعرها حين فوجئت به في هذا اللقاء وقد أحيط وجهه ورأسه بالأربطة والضمادات وقدّم لها ربطة كان يحملها فلما فتحتها وجدت فيها أذنه مقطوعة كما طلبت منه عابثة. سقطت المسكينة مغشياً عليها وأصابتها بعد ذلك صدمة عصبية لازمتها طويلاً!
عيش مشترك ذهب غوغان الى آرلي بجنوب فرنسا وهو لايزال مفلساً ليعيش مع صديقه فان غوخ وقام بتمويل هذه الزيارة «ثيو» شقيق فان غوخ، تاجر اللوحات الفنية الذي كان يأمل أن يساعد غوغان فان غوخ التعس نصف المجنون، عاش الرجلان معاً أول الأمر في سلام.
وكان غوغان ينظف المنزل ويطهو الطعام وساعد فان غوخ على تنظيم اوقاته كما ساعده في رسوماته. لكن امزجة الصديقين وآراءهما كانت متعارضة تماماً. وأخيراً أعلن أنه مضطر لتركه وكان في ذلك الكفاية لدفع فان غوخ، الذي كانت تسيطر عليه غريزة التملك، الى الجنون. في ذلك المساء بينما كان غوغان يسير في الشارع، سمع وقع أقدام خلفه. وهناك رأى فان غوخ على وشك ان ينقضّ عليه ومعه موسى مفتوحة ولم يهاجمه فان غوخ، ولكنه بدلاً من ذلك عاد الى منزله، وقطع احدى اذنيه وأخذها الى فتاة في ماخور ـ يقصد راشيل. وأدخل فان غوخ، فيما بعد، احد المستشفيات وبعد أقل من عامين أطلق فان غوخ الرصاص على نفسه.
حقاً كانت تجربة فان غوخ مع غوغان فاشلة، بل قاتلة، كما يقول هنري ميللر في كتابه «رامبو وزمن القتلة ـ ترجمة سعدي يوسف». ويورد ميللر نص رسالة بعث بها فان غوخ الى شقيقه في يوليو 1880، رسالة تغوص الى قلب الأشياء، رسالة تستثير الدم. في هذه الرسالة يدافع فان غوخ عن نفسه، ضد ما رمي به من عطالة. وهو يصف، بالتفصيل، نوعين من العطالة: النوع الطالح، والنوع الصالح. والرسالة موعظة حقيقية حول الموضوع، تستحق العودة اليها مراراً وتكراراً: «هكذا، ينبغي الا تعتقد بأنني اتنصل من الأشياء. انني، بالأحرى، مؤمن بعدم ايماني، ومع هذا التبدل، الا انني الشخص نفسه، وهمّي الوحيد هو: كيف اكون نافعاً في العالم، الا أستطيع ان اكون في خدمة هدف، وأؤدي أيّ نفع، كيف اتعلم اكثر، وأدرس، بعمق، مواضيع معينة؟ انت ترى، ان هذا هو ما يشغلني باستمرار، ثم أحس بنفسي سجين الفاقة، مبعداً عن المشاركة في عمل معين.. وثمة أشياء ضرورية لا أستطيع بلوغها. انه أحد الأسباب التي لا تتركني بلا كآبة، ثم ان المرء ليحس بالخواء حيث ينبغي ان تكون صداقة، وحناناً قوياً جاداً، ويشعر بتثبيط رهيب ينهش حتى طاقته المعنوية، ويبدو ان القدر يضع حاجزاً امام غرائز الحنان، ويتعالى طوفان من الغثيان ليخنق المرء حتى ليهتف: «الى متى.. يا الهي؟».. ثم يمضي الى التمييز بين الانسان العاطل بسبب الكسل، بسبب انعدام الشخصية، بسبب حطّة الطبع، والنوع الاخر من الانسان العاطل، وهو العاطل بالرغم من نفسه، المتحرق في داخله الى العمل، والذي لا يفعل شيئاً لأن من المستحيل عليه ان يفعل أي شيء... وهكذا. انه يرسم صورة الطائر في القفص المذهب. ثم يضيف هذه الكلمات المؤثرة المنذرة: «وغالباً ما تمنع الظروف الناس من عمل الأشياء، اني سجين قفص لا أدري كم هو فظيع فظيع فظيع. وهناك أيضاً، وأنا أعرف الأمر، إطلاق السراح، إطلاق السراح المتأخر.
السمعة السيئة حقاً او باطلاً، البؤس، الظروف المميتة، العداء، كل هذه تسجننا، بل تدفننا، لكن المرء يحس، من ناحية ثانية، بحواجز معينة، وبوابات معينة، وجدران معينة.
أكلّ هذا خيال وفانتازيا؟ لا أظن ذلك. ثم يتساءل المرء: «الهي، أيظل هذا طويلاً ابدياً، خالداً؟» أتدري ما الذي يحرر الانسان من السجن؟ انه كل حنان جاد عميق. ان نكون اصدقاء، أشقاء، أن نحبّ بعضنا، هذا الذي يفتح السجن بقوة عليا، قوة سحرية. لكن بدون هذه القوة يظل السجن باقياً. حيثما تجدد العطف استعيدت الحياة».
حنين مزدوج اذا كان فان غوخ قد مزقه الحنين الى الحب، الى الحنين، الى الاتحاد بالمرأة، حيث كانت المرأة معه، كما رأينا بوضوح، قاسية، فظة، جلفة بأسمائها المختلفة واجسادها المنوّعة وعيونها التي لا ترى أكثر من الأنف، فان بول غوغان عذّبه حبّه الحيّ لزوجته «ميت كول». فهي لم تغادر روحه رغم انفصالهما لسنين طويلة. بل بقي حبّها يطارده وهو يتنقل من سنة الى اخرى، ومن مدينة الى أخرى، ومن بلد الى اخر، ومن لوحة الى اخرى، ومن الاحمر الى الاخضر الى الأسود الى الرمادي المتدفق ذكريات وذكريات. كتب اليها من تاهيتي بعد انفصالهما بخمسة عشر عاماً يقول: «احبيني كثيراً لأنني عندما أعود سنعود حبيبين من جديد. انني أبعث اليك قبلة عاشق وعناق زوج». لكن هذه العواطف الصادقة العميقة لم تجد نفعاً مع «ميت كول» الشقراء، العملية، القاسية.
يقول كريم الشيخ اسماعيل: عاد غوغان الى البحار الجنوبية حزيناً. وهو في السابعة والاربعين ليعيش السنوات الاخيرة البائسة من حياته في تاهيتي اولا ثم في جزيرة دومينيكا النائية. وكان قد أصيب بالزهري الذي لم يكن له علاج في تلك الأيام، كما كان مصاباً بجرح مفتوح في كاحله يأبى ان يندمل.
وقاسى آلاماً شديدة وكتب يقول: «انني انتظر هنا كفأر في برميل وسط المحيط».. ان الكثيرين منا يتخيلون غوغان قد استلقى تحت الأشجار، وحسان جزر البولينيين ويرقصن لتسليته. ولقد كان يستلقي فعلاً، لأنّ ساقيه اكلهما المرض حتى اصبح عاجزاً عن المشي. واذا كانت الفتيات قد غنين له فذلك لأنه كان قد بدأ يفقد بصره!. وقال لأحد الأطباء «كادت تخبو أنواري». لقد كان انظف الرجال وأكثرهم اناقة. ولكنه كان وحيدا لا يستطيع ان يعتني بنفسه، ومات عام 1903 في كوخ قذر من الخوص بجانب اخر لوحاته وهي تصوّر منظراً للجليد في مقاطعة بريتاني.
وبعد سنوات من وفاته، عندما اصبح اسمه اسطورة، كاسم زميله التعس «فان غوخ»، بدأ التهافت على جميع لوحاته. ووجدها هواة جميع التحف في الحانات والمواخير والمساكن المفروشة، حيث قايض عليها مقابل متطلبات الحياة اليومية او اقامة يوم. وكانت قد وضعت في الغرف العليا او المخازن لان اصحابها لم يكونوا يرون انها جديرة بتعليقها على الجدران. اما في بريتاني فقد استخدمت كحصائر او لصنع احذية من اقمشتها! لقد حاول غوغان قبل وفاته بفترة غير طويلة ان يشرح في تقرير مكتوب يتسم بالايمان عن حياته الغريبة التي تنطوي على مأساة فكتب يقول: «انني اعتقد ان الفن مصدر الهي يعيش في قلوب جميع الرجال الذين مسّهم النور السماوي، وما ان يتذوق الانسان متع الفن العظيم، حتى يكرّس نفسه له الى الابد دون ان يستطيع الفرار منه».
اذا كانت الانطباعية قد اهتمت بتصوير العالم المرئي المباشر بطريقة جديدة تقوم على التجربة الذاتية للفنان، فان مجموعة من فناني القرن التاسع عشر «امثال غوغان، وسيزان، وفان غوخ» ذهبوا في اتجاهات اخرى كما يقول د. محمود امهز في كتابه «التيارات الفنية المعاصرة» ويضيف: كان بعضهم قد حاول ان يطبق في التصوير ما قاله بودلير: «اريد حقولاً بالأحمر، وأشجاراً بالأزرق، فليس للطبيعة من مخيلة».
وقد تحققت هذه الرغبة مع غوغان عندما تخلّى عن اللون كما هو في الطبيعة، ورفض عوائق المشابهة، ثم انتقل، بعد ذلك، الى اللون الاصطلاحي كما طالب به بودلير. واستخدام الالوان الاصطلاحية يتناقض مع الغاية التي كان يسعى اليها مونيه، ويلخصها بقوله: «ارى هذا البيدر بنفسجياً عند الغسق، فاصوّره، اذن، بنفسجياً على لوحتي، بينما يصوّره غوغان، سواء أكان أصفر ام بنفسجياً باللون الأحمر ان اراد. ويبدو ان طبيعة حياته الخاصة قد تركت اثرها على نتاجه الفني وأسهمت في تحديد مساره. فهو من أب فرنسي وام من البيرو، نشأ في البيرو واحتفظ طيلة حياته بحنين للبلاد الاجنبية، فذهب الى بريطانيا، ثم المارتينك، وتاهيتي، والدومنيك، تدفعه الى ذلك «حاجة للهرب من نفسه، من عالم يسحقه وحاضر يجرحه».
اختلافات بارزة الان، ما هي الاختلافات الابرز ما بين هذين الفنانين الكبيرين؟ يجيب مؤلف كتاب «التيارات الفنية المعاصرة» فيقول: ان عالم فان غوخ المضطرب يختلف عن عالم غوغان الخيالي الهاديء، تحركه الضربات اللونية المنفعلة والخطوط المتموجة المتكسرة، المعبرة عن حس داخلي عميق وعن ألم نفسي ينعكس في جميع اعماله «المناظر او الصور الشخصية». وكان فان غوخ، بعد ان جاء الى باريس في السنة «1886» التي أقيم فيها المعرض الثامن والأخير للانطباعيين، قد اعجب بألوان هؤلاء الفنانين الفرنسيين وتأثر بهم، كما تحولت الوانه لتصبح زاهية متألقة بعد ان كانت مظلمة قاتمة في البداية. وبفضل هذا الاحتكاك المباشر مع المصورين الباريسيين، اكتشف فان غوخ التصوير المناخي بدقائقه وترجرجاته الهوائية والانعكاسات الضوئية المتبادلة بين الأشياء ومحيطها. ولكن رغم تأثره بالانطباعية فإنه لم يكن انطباعياً كما يرى د. محمود أمهز. إن اعماله، حسب هذا الرأي، جاءت لتشكل بدورها رد فعل تلقائياً ضد اتجاهاتها وأهدافها. لم يكن فان غوخ اقل اهتماماً من الانطباعيين بالضوء والتألقات اللونية. لكن الضوء. كما تعكسه معظم اعماله الاخيرة، هو ضوء الشمس الساطع، شمس الجنوب الذي اعجب به، لا الضوء الرطب الندي، المبلل لدى الانطباعيين. وألوانه نقية، صافية، واضحة، لم تقتصر على تسجيل اللحظة العابرة، او الحس المادي كما فعل الانطباعيون، بل هي تجسيد لقيم رمزية وتعبيرية، تطفح بمشاعر انسانية تصل الى أقصى حدود المأساة. وللتعبير عن هذه المشاعر الانسانية يختار الفنان الألوان الاصطلاحية الملائمة غير المقيدة بالعالم المرئي. ويشرح ذلك بقوله: «بدلا من ان انقل ما هو امام ناظري، فإنني استخدم اللون اصطلاحياً للتعبير بقوة عن نفسي». أي انه يستخدم هذا اللون ليصف «الانفعالات الانسانية» متخطياً كل مفهوم وصفي او صوري للشيء المرئي. وهنا فان كمية من اللون الاحمر او اللون الأخضر تكفي للتعبير عن حالات من الفرح او الكآبة.
هكذا، فان فان غوخ، وبعد أن فشل في حياته الخاصة، وعجز عن القيام بأيّ دور اجتماعي كان يتمناه، حتى كواعظ كهنوتي، قد نجح في هذا الدور من خلال عمله الفني الذي ينيره شعور داخلي، شعور انساني عميق.
على المستوى الحياتي، كانت الصداقة الغوغانية الفان غوخية وبالاً حقيقياً. فالفقر والجوع والحرمان الجهنمي والضياع الروحي المخيف، كل ذلك فعل فعله لتنقلب الصداقة ما بين هذين الرسامين الى عداوة، فمحاولة قتل. بل ان فان غوخ قطع اذنه ثم انتحر فيما بعد. اما غوغان فانتحر هو الاخر ولكن بطريقته الخاصة، ذلك بأن اسلم نفسه، طواعية، الى الأقاصي والمنافي البعيدة والمرض والعمى. لقد أسلم نفسه الى الموت بطريقة أطول نفساً.
لم يكن اللقاء، اذن، سعيداً على الاطلاق. رغم ان غوغان وفان غوخ التقيا ابداعياً وفنياً ولونياً. لكن الروح حين ترتبك تحت وطأة الأحوال اللانسانية يضيع كل شيء ويتهدم كل شيء. هكذا انتهت مسرحية اللقاء الانطباعي الغوغاني الفان غوخي الشهير، ليظهر لنا الخراب وهو يضحك اخر المطاف، بل ينفجر من الضحك.
الأدهى من ذلك، انهما وقد عاشا حياتهما وسط فقر أسود، وجوع مخيف، وشظف عيش لا يوصف، تحولا، بعد موتهما، الى ثريين عظيمين، بعد ان أخذت أعمالهما بتحقيق أسعار اسطورية! نعم، حدث ذلك بعد ان تحوّل الفنانان الشهيران الى اسطورتين بكل ما في الاسطورة من معنى!
http--www.albayan.co.ae-albayan-culture-2001-issue67-photos-22.gif
http://www.albayan.co.ae/albayan/culture/2001/issue67/photos/22.gif
http://www.albayan.co.ae/albayan/culture/2001/issue67/photos/23.gif
******
كانت صداقة الرسامين الشهيرين بول غوغان وفان غوخ صداقة معذّبة كحياتيهما المعذبة. عاشا معاً في آرلي بجنوب فرنسا وصارا يقتربان إبداعياً لينجزا فناً اعتبر، فيما بعد، عظيماً. لكن اللقاء، للأسف، لم يكن سارّاً البتة.
ولد بول غوغان في باريس عام 1848 من أب فرنسي وأم من البيرو. وهرب من المدرسة وهو في السابعة عشر من عمره. وجاب البحار كملاّح لمدة ست سنوات، وجعلت الحياة الخشنة من الصبي الضعيف شخصاً قوياً، ومنحته، قبل كل شيء، الحلم الذي قدّر له أن يغيّر حياته. يقول كريم الشيخ اسماعيل آل كاشف الغطاء في كتابه «عباقرة الفن»: كان غوغان يجلس على ظهر السفينة ذات يوم عندما سمع بحّاراً من زملائه يصف الحياة في البحار الجنوبية ويقول ان النساء هناك جميلات مطيعات، والفاكهة تتساقط من الأشجار، والشمس تسطع أشعتها كل يوم، والليالي تفيض بالسحر، وسجل غوغان في ذهنه ملاحظة لم ينسها مطلقاً. وعندما عاد بول الى باريس وهو في الثالثة والعشرين من عمره، اكتشف في نفسه موهبة غريبة لفنان مفطور على الابداع، موهبة الربح من العمل في سوق الأوراق المالية.. ولكي يتوّج حياته كأحد أفراد الطبقة الوسطى المتمسكة بالتقاليد تزوج من ابنة موظف حكومي دنماركي. كانت «ميت كول» شقراء، باردة، عملية، ترتدي الملابس المناسبة وتعد الشاي المناسب للأشخاص المناسبين، وأنجبت لزوجها خمسة أطفال، ولكن بول غوغان كان قد اكتشف يومئذ حبه للرسم. وسرّت الزوجة في البداية، اذ وجد معيلها الطيّب هواية تثير البهجة فليس هناك ضرر في أن يكون «رساماً يوم الأحد». ولكنها لم تدرك الا فيما بعد ان زوجها رجل لا يرضى بأنصاف الأشياء. وعرضت احدى لوحاته، وكانت تسمى «دراسة لفتاة عارية» و«كان نموذجه فيها هو خادمة الأسرة». فوصفها أحد النقاد بأنها أروع لوحة لفتاة عارية منذ «رامبرانت». وبدأت حياة بول غوغان في ميدان الأعمال تبطيء شيئاً فشيئاً حتى توقفت. وترك مكتب السمسرة وهو في الخامسة والثلاثين من عمره ومنذ ذلك الحين كرّس نفسه للرسم. وفي خلال عام واحد أصبح مفلساً تماماً، فبيع منزل الأسرة بأثاثه الجميل وسجاجيده الفاخرة، وعادت زوجته «ميت» الى الدنمارك حيث تجد الأسرة على الأقل ما يكفي لطعامها. وتبعها غوغان وسخر الدنماركيون منه باعتباره رجلاً يعيش عالة على زوجته، كما سخروا من لوحاته، وعاد الى باريس بدون «ميت».
اما فان غوخ فقد ولد عام 1853 في عائلة هولندية اختصت في تجارة اللوحات الفنية. لكن روحه المرهفة وقلبه الحساس قاداه دوماً من محنة الى أخرى، ومن بلوى الى بلوى. كانت محنته الاولى حين احب «اور زولا» الفتاة التي رفضت حبه، فقرر، كرد فعل لما حدث، ان يطلّق الدنيا وينتظم في سلك رجال الدين. هكذا اصبح واعظاً يلقي المواعظ على عمال المناجم مناصراً لهم في عملهم الشاق. لكنه فصل من عمله فهام على وجهه، ثم قرر ان يترك المدينة ويتجه الى الريف.
وطاب له العيش في الريف بين التأمل في طبيعته الساحرة وتسجيل مختلف المشاهد والمشاعر، كما يقول مؤلف كتاب «عباقرة الفن» ويضيف: بقي فان غوخ شهوراً يقتات طوال يومه بلقيمات يتصيّدها هنا وهناك، غير مبال بما بدأ يظهر على هيئته من بوادر السقم والهزال. ثم أصبح يوماً فاذا هو لا يستطيع النهوض لشدة ما اعتراه من ضعف وخمول. ولاح له ان قد حانت منيته. ولكن نبأ مرضه وصل الى «ثيو» اخيه الذي سارع الى اسعافه واستطاع ان ينقذه من المرض والفاقة معاً. اذ اتفق معه على أن يصوّر لحساب متجره بعض اللوحات. وهكذا قدّر للفنان ان يستقر لاول مرة في حياته. فاتخذ لنفسه مرسماً متواضعاً في المدينة، وكان في حاجة الى نموذج «موديل» فوجد ضالته في «كرستينا» غاسلة الملابس ذات الاطفال الخمسة، وقدّرت له ان وقاها من التشرد وأطعمها فأخلصت له الود واستمرت تؤنس وحشته، وتعدّ طعامه وتغسل ملابسه وتنظّم مرسمه وتجلس الساعات الطوال أمامه ليتخذها نموذجاً لرسومه، كل هذا لقاء قروش معدودة عن كل يوم تزوره فيه!.. ولكن الأقدار ضنّت على الفنان حتى بهذا النصيب الضئيل من الاستقرار، فسرعان ما تركته «كرستينا» الى غير عودة حين علمت بأن عمّه وأخاه هدداه بقطع صلتهما به لما بلغهما من اعتزامه الزواج منها.. ومضى الفنان وحده الى «فيرون دي كوليرانس»، حيث التقى مرة أخرى بالفتاة «راشيل» ذات العينين الزرقاوين الواسعتين. وكان قد خطب ودها حين لقيها لأول مرة في «ارليس» فسخرت منه حين ادركت انه لا يملك شيئا وقالت له: «على كل حال تستطيع ان تبعث اليّ احدى اذنيك الكبيرتين لاحتفظ بها تذكاراً منك». وشدّما كان ذعرها حين فوجئت به في هذا اللقاء وقد أحيط وجهه ورأسه بالأربطة والضمادات وقدّم لها ربطة كان يحملها فلما فتحتها وجدت فيها أذنه مقطوعة كما طلبت منه عابثة. سقطت المسكينة مغشياً عليها وأصابتها بعد ذلك صدمة عصبية لازمتها طويلاً!
عيش مشترك ذهب غوغان الى آرلي بجنوب فرنسا وهو لايزال مفلساً ليعيش مع صديقه فان غوخ وقام بتمويل هذه الزيارة «ثيو» شقيق فان غوخ، تاجر اللوحات الفنية الذي كان يأمل أن يساعد غوغان فان غوخ التعس نصف المجنون، عاش الرجلان معاً أول الأمر في سلام.
وكان غوغان ينظف المنزل ويطهو الطعام وساعد فان غوخ على تنظيم اوقاته كما ساعده في رسوماته. لكن امزجة الصديقين وآراءهما كانت متعارضة تماماً. وأخيراً أعلن أنه مضطر لتركه وكان في ذلك الكفاية لدفع فان غوخ، الذي كانت تسيطر عليه غريزة التملك، الى الجنون. في ذلك المساء بينما كان غوغان يسير في الشارع، سمع وقع أقدام خلفه. وهناك رأى فان غوخ على وشك ان ينقضّ عليه ومعه موسى مفتوحة ولم يهاجمه فان غوخ، ولكنه بدلاً من ذلك عاد الى منزله، وقطع احدى اذنيه وأخذها الى فتاة في ماخور ـ يقصد راشيل. وأدخل فان غوخ، فيما بعد، احد المستشفيات وبعد أقل من عامين أطلق فان غوخ الرصاص على نفسه.
حقاً كانت تجربة فان غوخ مع غوغان فاشلة، بل قاتلة، كما يقول هنري ميللر في كتابه «رامبو وزمن القتلة ـ ترجمة سعدي يوسف». ويورد ميللر نص رسالة بعث بها فان غوخ الى شقيقه في يوليو 1880، رسالة تغوص الى قلب الأشياء، رسالة تستثير الدم. في هذه الرسالة يدافع فان غوخ عن نفسه، ضد ما رمي به من عطالة. وهو يصف، بالتفصيل، نوعين من العطالة: النوع الطالح، والنوع الصالح. والرسالة موعظة حقيقية حول الموضوع، تستحق العودة اليها مراراً وتكراراً: «هكذا، ينبغي الا تعتقد بأنني اتنصل من الأشياء. انني، بالأحرى، مؤمن بعدم ايماني، ومع هذا التبدل، الا انني الشخص نفسه، وهمّي الوحيد هو: كيف اكون نافعاً في العالم، الا أستطيع ان اكون في خدمة هدف، وأؤدي أيّ نفع، كيف اتعلم اكثر، وأدرس، بعمق، مواضيع معينة؟ انت ترى، ان هذا هو ما يشغلني باستمرار، ثم أحس بنفسي سجين الفاقة، مبعداً عن المشاركة في عمل معين.. وثمة أشياء ضرورية لا أستطيع بلوغها. انه أحد الأسباب التي لا تتركني بلا كآبة، ثم ان المرء ليحس بالخواء حيث ينبغي ان تكون صداقة، وحناناً قوياً جاداً، ويشعر بتثبيط رهيب ينهش حتى طاقته المعنوية، ويبدو ان القدر يضع حاجزاً امام غرائز الحنان، ويتعالى طوفان من الغثيان ليخنق المرء حتى ليهتف: «الى متى.. يا الهي؟».. ثم يمضي الى التمييز بين الانسان العاطل بسبب الكسل، بسبب انعدام الشخصية، بسبب حطّة الطبع، والنوع الاخر من الانسان العاطل، وهو العاطل بالرغم من نفسه، المتحرق في داخله الى العمل، والذي لا يفعل شيئاً لأن من المستحيل عليه ان يفعل أي شيء... وهكذا. انه يرسم صورة الطائر في القفص المذهب. ثم يضيف هذه الكلمات المؤثرة المنذرة: «وغالباً ما تمنع الظروف الناس من عمل الأشياء، اني سجين قفص لا أدري كم هو فظيع فظيع فظيع. وهناك أيضاً، وأنا أعرف الأمر، إطلاق السراح، إطلاق السراح المتأخر.
السمعة السيئة حقاً او باطلاً، البؤس، الظروف المميتة، العداء، كل هذه تسجننا، بل تدفننا، لكن المرء يحس، من ناحية ثانية، بحواجز معينة، وبوابات معينة، وجدران معينة.
أكلّ هذا خيال وفانتازيا؟ لا أظن ذلك. ثم يتساءل المرء: «الهي، أيظل هذا طويلاً ابدياً، خالداً؟» أتدري ما الذي يحرر الانسان من السجن؟ انه كل حنان جاد عميق. ان نكون اصدقاء، أشقاء، أن نحبّ بعضنا، هذا الذي يفتح السجن بقوة عليا، قوة سحرية. لكن بدون هذه القوة يظل السجن باقياً. حيثما تجدد العطف استعيدت الحياة».
حنين مزدوج اذا كان فان غوخ قد مزقه الحنين الى الحب، الى الحنين، الى الاتحاد بالمرأة، حيث كانت المرأة معه، كما رأينا بوضوح، قاسية، فظة، جلفة بأسمائها المختلفة واجسادها المنوّعة وعيونها التي لا ترى أكثر من الأنف، فان بول غوغان عذّبه حبّه الحيّ لزوجته «ميت كول». فهي لم تغادر روحه رغم انفصالهما لسنين طويلة. بل بقي حبّها يطارده وهو يتنقل من سنة الى اخرى، ومن مدينة الى أخرى، ومن بلد الى اخر، ومن لوحة الى اخرى، ومن الاحمر الى الاخضر الى الأسود الى الرمادي المتدفق ذكريات وذكريات. كتب اليها من تاهيتي بعد انفصالهما بخمسة عشر عاماً يقول: «احبيني كثيراً لأنني عندما أعود سنعود حبيبين من جديد. انني أبعث اليك قبلة عاشق وعناق زوج». لكن هذه العواطف الصادقة العميقة لم تجد نفعاً مع «ميت كول» الشقراء، العملية، القاسية.
يقول كريم الشيخ اسماعيل: عاد غوغان الى البحار الجنوبية حزيناً. وهو في السابعة والاربعين ليعيش السنوات الاخيرة البائسة من حياته في تاهيتي اولا ثم في جزيرة دومينيكا النائية. وكان قد أصيب بالزهري الذي لم يكن له علاج في تلك الأيام، كما كان مصاباً بجرح مفتوح في كاحله يأبى ان يندمل.
وقاسى آلاماً شديدة وكتب يقول: «انني انتظر هنا كفأر في برميل وسط المحيط».. ان الكثيرين منا يتخيلون غوغان قد استلقى تحت الأشجار، وحسان جزر البولينيين ويرقصن لتسليته. ولقد كان يستلقي فعلاً، لأنّ ساقيه اكلهما المرض حتى اصبح عاجزاً عن المشي. واذا كانت الفتيات قد غنين له فذلك لأنه كان قد بدأ يفقد بصره!. وقال لأحد الأطباء «كادت تخبو أنواري». لقد كان انظف الرجال وأكثرهم اناقة. ولكنه كان وحيدا لا يستطيع ان يعتني بنفسه، ومات عام 1903 في كوخ قذر من الخوص بجانب اخر لوحاته وهي تصوّر منظراً للجليد في مقاطعة بريتاني.
وبعد سنوات من وفاته، عندما اصبح اسمه اسطورة، كاسم زميله التعس «فان غوخ»، بدأ التهافت على جميع لوحاته. ووجدها هواة جميع التحف في الحانات والمواخير والمساكن المفروشة، حيث قايض عليها مقابل متطلبات الحياة اليومية او اقامة يوم. وكانت قد وضعت في الغرف العليا او المخازن لان اصحابها لم يكونوا يرون انها جديرة بتعليقها على الجدران. اما في بريتاني فقد استخدمت كحصائر او لصنع احذية من اقمشتها! لقد حاول غوغان قبل وفاته بفترة غير طويلة ان يشرح في تقرير مكتوب يتسم بالايمان عن حياته الغريبة التي تنطوي على مأساة فكتب يقول: «انني اعتقد ان الفن مصدر الهي يعيش في قلوب جميع الرجال الذين مسّهم النور السماوي، وما ان يتذوق الانسان متع الفن العظيم، حتى يكرّس نفسه له الى الابد دون ان يستطيع الفرار منه».
اذا كانت الانطباعية قد اهتمت بتصوير العالم المرئي المباشر بطريقة جديدة تقوم على التجربة الذاتية للفنان، فان مجموعة من فناني القرن التاسع عشر «امثال غوغان، وسيزان، وفان غوخ» ذهبوا في اتجاهات اخرى كما يقول د. محمود امهز في كتابه «التيارات الفنية المعاصرة» ويضيف: كان بعضهم قد حاول ان يطبق في التصوير ما قاله بودلير: «اريد حقولاً بالأحمر، وأشجاراً بالأزرق، فليس للطبيعة من مخيلة».
وقد تحققت هذه الرغبة مع غوغان عندما تخلّى عن اللون كما هو في الطبيعة، ورفض عوائق المشابهة، ثم انتقل، بعد ذلك، الى اللون الاصطلاحي كما طالب به بودلير. واستخدام الالوان الاصطلاحية يتناقض مع الغاية التي كان يسعى اليها مونيه، ويلخصها بقوله: «ارى هذا البيدر بنفسجياً عند الغسق، فاصوّره، اذن، بنفسجياً على لوحتي، بينما يصوّره غوغان، سواء أكان أصفر ام بنفسجياً باللون الأحمر ان اراد. ويبدو ان طبيعة حياته الخاصة قد تركت اثرها على نتاجه الفني وأسهمت في تحديد مساره. فهو من أب فرنسي وام من البيرو، نشأ في البيرو واحتفظ طيلة حياته بحنين للبلاد الاجنبية، فذهب الى بريطانيا، ثم المارتينك، وتاهيتي، والدومنيك، تدفعه الى ذلك «حاجة للهرب من نفسه، من عالم يسحقه وحاضر يجرحه».
اختلافات بارزة الان، ما هي الاختلافات الابرز ما بين هذين الفنانين الكبيرين؟ يجيب مؤلف كتاب «التيارات الفنية المعاصرة» فيقول: ان عالم فان غوخ المضطرب يختلف عن عالم غوغان الخيالي الهاديء، تحركه الضربات اللونية المنفعلة والخطوط المتموجة المتكسرة، المعبرة عن حس داخلي عميق وعن ألم نفسي ينعكس في جميع اعماله «المناظر او الصور الشخصية». وكان فان غوخ، بعد ان جاء الى باريس في السنة «1886» التي أقيم فيها المعرض الثامن والأخير للانطباعيين، قد اعجب بألوان هؤلاء الفنانين الفرنسيين وتأثر بهم، كما تحولت الوانه لتصبح زاهية متألقة بعد ان كانت مظلمة قاتمة في البداية. وبفضل هذا الاحتكاك المباشر مع المصورين الباريسيين، اكتشف فان غوخ التصوير المناخي بدقائقه وترجرجاته الهوائية والانعكاسات الضوئية المتبادلة بين الأشياء ومحيطها. ولكن رغم تأثره بالانطباعية فإنه لم يكن انطباعياً كما يرى د. محمود أمهز. إن اعماله، حسب هذا الرأي، جاءت لتشكل بدورها رد فعل تلقائياً ضد اتجاهاتها وأهدافها. لم يكن فان غوخ اقل اهتماماً من الانطباعيين بالضوء والتألقات اللونية. لكن الضوء. كما تعكسه معظم اعماله الاخيرة، هو ضوء الشمس الساطع، شمس الجنوب الذي اعجب به، لا الضوء الرطب الندي، المبلل لدى الانطباعيين. وألوانه نقية، صافية، واضحة، لم تقتصر على تسجيل اللحظة العابرة، او الحس المادي كما فعل الانطباعيون، بل هي تجسيد لقيم رمزية وتعبيرية، تطفح بمشاعر انسانية تصل الى أقصى حدود المأساة. وللتعبير عن هذه المشاعر الانسانية يختار الفنان الألوان الاصطلاحية الملائمة غير المقيدة بالعالم المرئي. ويشرح ذلك بقوله: «بدلا من ان انقل ما هو امام ناظري، فإنني استخدم اللون اصطلاحياً للتعبير بقوة عن نفسي». أي انه يستخدم هذا اللون ليصف «الانفعالات الانسانية» متخطياً كل مفهوم وصفي او صوري للشيء المرئي. وهنا فان كمية من اللون الاحمر او اللون الأخضر تكفي للتعبير عن حالات من الفرح او الكآبة.
هكذا، فان فان غوخ، وبعد أن فشل في حياته الخاصة، وعجز عن القيام بأيّ دور اجتماعي كان يتمناه، حتى كواعظ كهنوتي، قد نجح في هذا الدور من خلال عمله الفني الذي ينيره شعور داخلي، شعور انساني عميق.
على المستوى الحياتي، كانت الصداقة الغوغانية الفان غوخية وبالاً حقيقياً. فالفقر والجوع والحرمان الجهنمي والضياع الروحي المخيف، كل ذلك فعل فعله لتنقلب الصداقة ما بين هذين الرسامين الى عداوة، فمحاولة قتل. بل ان فان غوخ قطع اذنه ثم انتحر فيما بعد. اما غوغان فانتحر هو الاخر ولكن بطريقته الخاصة، ذلك بأن اسلم نفسه، طواعية، الى الأقاصي والمنافي البعيدة والمرض والعمى. لقد أسلم نفسه الى الموت بطريقة أطول نفساً.
لم يكن اللقاء، اذن، سعيداً على الاطلاق. رغم ان غوغان وفان غوخ التقيا ابداعياً وفنياً ولونياً. لكن الروح حين ترتبك تحت وطأة الأحوال اللانسانية يضيع كل شيء ويتهدم كل شيء. هكذا انتهت مسرحية اللقاء الانطباعي الغوغاني الفان غوخي الشهير، ليظهر لنا الخراب وهو يضحك اخر المطاف، بل ينفجر من الضحك.
الأدهى من ذلك، انهما وقد عاشا حياتهما وسط فقر أسود، وجوع مخيف، وشظف عيش لا يوصف، تحولا، بعد موتهما، الى ثريين عظيمين، بعد ان أخذت أعمالهما بتحقيق أسعار اسطورية! نعم، حدث ذلك بعد ان تحوّل الفنانان الشهيران الى اسطورتين بكل ما في الاسطورة من معنى!
http--www.albayan.co.ae-albayan-culture-2001-issue67-photos-22.gif
http://www.albayan.co.ae/albayan/culture/2001/issue67/photos/22.gif
http://www.albayan.co.ae/albayan/culture/2001/issue67/photos/23.gif